مصطفى صادق الرافعي

125

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

النسج مبتذل المعنى مستهلك من جهتيه ، وما كان الرجل من السخف بحيث ترى ، ولا من الجهل بمعاني الكلام وسوء البصر بمواضعه ولكن لذلك سببا نحن ذاكروه متى انتهى بنا الكلام إلى موضعه الذي هو أملك به . ( 2 ) ومنهم عبهلة بن كعب الذي يقال له الأسود العنسي ، يلقب ذا الخمار لأنه كان يقول : يأتيني ذو خمار ، وكان رجلا فصيحا معروفا بالكهانة والسجع والخطابة والشعر والنسب ؛ وقد تنبأ على عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم وخرج باليمن ، ولا يذكرون له قرآنا غير أنه كان يزعم أن الوحي ينزل عليه ، وكان إذا ذهب مذهب التنبؤ أكب ثم رفع رأسه وقال : يقول لي كيت وكيت ، يعني شيطانه ، وهذا الأسود كان جبارا ، وقتل قبل وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بيوم وليلة . ( 3 ) وطليحة بن خويلد الأسدي ، وكان من أشجع العرب ، يعدّ بألف فارس ، قدم على النبي صلّى اللّه عليه وسلم في وفد أسد بن خزيمة سنة تسع فأسلموا ثم لما رجعوا تنبأ طليحة ، وعظم أمره بعد أن توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وكان يزعم أن ذا النون يأتيه بالوحي - وقيل بل يزعمه جبريل - ولكنه لم يدع لنفسه قرآنا : لأن قومه من الفصحاء ، ولم يتابعوه إلا عصبية وطلبا لأمر يحسبونه كائنا في العرب من غلبة بعضهم على جماعتهم ، وإنما كانت كلمات يزعم أنها أنزلت عليه ، ولم نظفر منها بغير هذه الكلمة ، رأيناها في معجم البلدان لياقوت ، وهي قوله : إن اللّه لا يصنع بتعفير وجوهكم وقبح أدباركم شيئا ، فاذكروا اللّه قياما « 1 » فإن الرغوة فوق الصريح « 2 » . وقد بعث أبو بكر - رضي اللّه عنه - خالد بن الوليد لقتاله وكان مع طليحة عيينة بن حصن في سبعمائة من بني فزارة . فلما التقى الجمعان تزمّل طليحة في كساء له ينتظر بزعمه الوحي وطال ذلك منه ، وألح المسلمون على أصحابه بالسيف ، فقال عيينة : هل أتاك بعد ؟ قال طليحة من تحت الكساء : لا واللّه ما جاء بعد ! فأعاد إليه مرتين ، كل ذلك يقول : لا . فقال عيينة : لقد تركك أحوج ما كنت إليه ! فقال طليحة : قاتلوا عن أحسابكم ، فأما دين فلا دين « 3 » ! ثم انهزم ولحق بنواحي الشام . أسلم بعد ذلك ، وكان له في واقعة القادسية بلاء حسن .

--> ( 1 ) يريد بذلك هيئة الصلاة من الركوع والسجود . فكانت الصلاة في شرعه قياما ، وما من متنبئ في العرب أن يجيء بشيء مبتدئا إلا أن يتشبه بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم ويزيد وينقص فيما جاء ، وتلك دلائل التزوير وعلاماته فترى لو كان هذا الأمر إنسانيا وذكاء وصنعة ، أفلم يكن في جزيرة العرب كلها من أقصاها إلى أقصاها رجل واحد يبلغ شيئا من ذلك الذكاء وتلك الصنعة ، فيأتي بشيء أو يصنع شيئا أو يكون هو على الأقل في هذا الأمر شيئا مذكورا . ( 2 ) الرغوة ما فوق اللبن ، والكلمة مثل جاء في العبارة حشوا . ( 3 ) هذه رواية ابن الأثير في كتابه ( أسد الغابة ) وفي بعض المجاميع من كتب الأدب أن عيينة قال : تبا لك